المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الشاعر الكبير:محمد العبدالله القاضي(1224 ـ 1285 هـ)


أبن مصاول
19 - 11 - 07, 08:59 AM
الشاعر الكبير:محمد العبدالله القاضي(1224 ـ 1285 هـ)

هو محمد بن عبدالله بن محمد بن إبراهيم بن عبدالرحمن القاضي , شاعر نجد الكبير ,

ولد في عنيزة سنة 1224هـ وبها تُوفي سنة 1285هـ .. تعلم مبادىء القراءة والكتابة

على يد والده وحفظ القرآن الكريم وهو ابن ثمان سنوات , ثم درس العلوم الدينية على عمه

الشيخ عبدالرحمن بن محمد الذي تولى القضاء في عنيزة في الفترة من (1243 ـ 1248هـ)

في عهد الإمام تركي بن عبدالله .. كتب صحيح البخاري بخط يده الجميل , ولا يزال صحيح البخاري

المكتوب بخط يده محفوظا لدى حفيده عبدالعزيز المحمد القاضي , صاحب العنيزية .

ولما شب عن الطوق درس الأدب والتاريخ .

قال عنه الربيعي ( كان رحمه الله أديبا ماهرا بكل مافي هذه الكلمة معنى , ماهرا بالأدبين العربي

الفصيح والعربي الدارج , ملما إلماماً طيباً بمذاهب الشعر قديمه وحديثه , محدثا حلو الحديث ,

تحسبه حين يسوق القول وتتشعب به نواحيه من جد وهزل ونثر وشعر وأخبار وطرائف , تحسبه

الأصمعي قد نُشر في زمنه .. كان غنيا مبسوطا له في الغنى , سخيا ندي الكف , شجاعا باسلا ,

شريف النسب , عزيزا في قومه , يميل إلى التشبب في النساء مع عفته , ويحب المساجلات

ولكن مع أشباهه في العزة والشرف والمكانة , ومناوشاته في ذلك النوع من الأدب مع بعض الأمراء

مثل أحمد السديري (جد الملك عبدالعزيز لأمه) أمير الغاط ,ومحمد العلي بن عرفج أمير بريدة ,

وطلال بن رشيد أمير حايل . قيل أنه لم يُعرف أي اتصال , لا أدبي ولا اجتماعي

ولا حتى سياسي بين القاضي طلال الرشيد سوى أن الأول مدح الثاني بقصيدة ,

ولم يُعرف أيضا عن طلال أنه شاعر ..

وللقاضي في الحماسة والحكم والتفكر عدة قصائد .. مدح بلده عنيزة بقصيدة عصماء سارت سير المثل ,

فقال له أميرها عبدالله اليحيى السليم : اطلب مني واقترح الجائزة التي تهوى مقابل شعرك الغالي ,

وإليكم ماقال لتعرفوا منه مدى نجدته وطموحه وكبر نفسه ووطنيته الصحيحة ومنافسته في الكلام .

قال : أطلب منك يكون الضيف قلّ أو كثر , كبر أو صغر , أعرفه أو لا أعرفه عندي في

اليوم الثاني بعدك , فأعطاه الأمير طابته رحمهما الله .

وقد مرض مدة طويلة لا تقل عن خمس سنين , وأشرف على التلف , وفي أثناء مرضه قال قصيدته

المشهورة المسماة بالتوبة , وعاش بعدها خمس سنوات أخرى تغمده الله برحمته ومغفرته ,
وجميع أموات المسلمين ) . هذا ما كتبه مقدمة لديوانه الراوية الكبير والشاعر المعروف أصمعي

الشعر النبطي صناجة عنيزة المرحوم عبدالرحمن البراهيم الربيعي (ت 1402هـ) .

ولعله كاف لتقديم لمحة موجزة عن الشاعر الكبير .
تزوج شاعر نجد الكبير محمد العبدالله القاضي من ابنة عمه المرحوم

محمد العبدالرحمن القاضي (ت 1300هـ) فأنجبت له له ابنه البكر عبدالله ,

ثم توفيت رحمها الله .. وبقي الشاعر فترة عازبا , ثم تعلق قلبه بابنة جيراهم

المرحومة هيا المنصور الزامل , وعشقها عشقا قيسيّا جنونيا , وتغزل بها في شعره ,

لكنه الغزل العذري الحشيم .. الذي يصف المشاعر وآلام الوجد والشوق ..

وقد بلغ به الوجد مبلغا عظيما حتى وقع طريح الفراش , وبرّح به الحب , وذوت

حاله , وضعف جسده , وتهالكت روحه ..

ثم اشتهر أمره في أسرته المحافظة , وشاع تعلقه بـ(هيا) , والمجتمع النجدي عموما

كان وربما لا يزال , يرى أن العشق والحب مثلبة وصفة ذميمة .. والعاشق المتيم في

مقاييسه إنسان متمرد على الدين والأخلاق , وكأن العشق والهوى اختياري !

اجتمعت طائفة من أهل الحل والعقد في أسرة الشاعر , وقررت الذهاب إليه وعيادته

في مرضه والاطمئنان على صحته ظاهرا , ثم نصحه بالتخلي عن غوايته وما يرونه

مجونا في أخلاقه .. وهو الهدف من الزيارة

فدار بينهم حوار سجله الشاعر بدقة متناهية , بدأ بجس النبض منهم :

(قالوا سفا بالحال ياحيف منصاب ! علام جسمك ناحل ؟) فأجابهم بهدوء

(قلت مطعون) .. (قالوا بعقّ؟) أي بظلم وعدوان؟ قالوها متجاهلين سبب مرضه

وهم يعلمونه , لكنهم أرادوا أن يشيروا برسالة خفية إلى أن الإنسان لا يصل

إلى هذه الحال من الإعياء إلا بإصابة مادية , أما العشق وغيرهم فمن ألعاب الأطفال

وتهويمات النساء ! لكنه رد بكل وضوح (قلت بحراب الأحباب) .. فاستمروا في

تكتيكهم الذي يعتمد الهدوء والاستدراج (قالوا من أنت بحربته؟) أي من التي أصابتك

بسهامها , قالوها وهم يعرفون الحقيقة بكل تفاصيلها , فرد عليهم برد لا يخلو من المكر

مجاراة لمكرهم (قلت : تدرون إني كما حيران حمّام منجاب) , وحمام منجاب هذا له

قصة تاريخية مشهورة , وهي أنه في العصر العباسي راجت موضة افتتاح الحمامات

البخارية في بغداد , وأولع الناس رجالا ونساء بارتيادها , واشتهر من بينها حمّام

جديد يقال له (حمام منجاب) .. ويقال إن امرأة من كرام النساء أرادت أن تذهب

إليه فضلت الطريق , وبينا هي تسير في أحد الطرقات وجدت رجلا جالسا عند أحد

الأبواب فسألته : أين حمام منجاب ؟ فلما رآها ورأى ملامح النعمة والترف والحسن

عليها طمع بها , وقال لها : هذا حمام منجاب .. فدخلت المرأة ببراءة , وعندما

استغرقتها باحة البيت لم تجد ما يدل على أن هذا المكان حمام , ثم رأت الرجل يدخل

إثرها وفي عينيه أمارات الخيانة والغدر , فعرفت أنها وقعت في مكيدة , وفطنت إلى

مقصده , فبادرته بمرح وتغنج :

أنا اتخذت الحمام حجة للقائك , فابتهج الرجل وسُرّ سرورا عظيما , ثم خلعت واحدا

من أسورتها وأعطته إياه , وقالت له : بع هذا واشتر لنا بثمنه ما لذ وطاب من طعام

وشراب , وما يكمل متعة اللقاء طيلة اليوم .. فأخذه الرجل وهو يكاد ينتفض ويطير من

السعادة , ثم خرج .. وعندها خرجت المرأة على إثره , وعادت إلى بيتها ناجية بعرضها

بفضل عقلها وحسن تصرفها .. وعندما عاد الرجل ولم يجدها أدرك الحيلة , وجُنّ

جنونه , ويقال إنه فقد عقله بسببها , لأنه هام بها .. وقد قال الشاعر العربي فيه :



ورب قائلة يوما وقد تعبت=أين الطريق إلى حمام منجاب

ونعود إلى قصتنا .. قال لهم هذا يريد أن يشعرهم بأنه لا يعرف من هي معشوقته ..

فهو هائم بمن لا يعرف مثل ذلك الرجل في قصة حمام منجاب .. لكن لم يستطع

الاستمرار في هذا المكر والتجاذب النفسي والكر والفر , فهو في وضع صحي غير

سوي , ولا يستطيع مجاراتهم ولذلك بادرهم مناشدا :



عرّضتكم بالله لا لي تعذلون=ياناس كثر النصح والقول ماثاب
أي أرجوكم لا تعذلوني ولا تلوموني فأنا أعرف هدف زيارتكم , ووفروا ما لديكم من

نصائح لأنها لا تفيد ولا تجدي .. فردوا عليه بكل حزم (قالوا تصرّ من الهوى) أي تترك

ما أنت فيه من غي . فرد يحاول إقناعهم (فاتون عن حال مفتون بحوري الأسلاب؟)

أي أفتوني عن حال من عشق وبرّح به الحب , أيستطيع أن يترك ما هو فيه ؟

فردوا عليه بالمتوقع (قالوا هبيل) فأجاب ( قالوا لمجنون ليلى مثل هذا وأنا عاصي آب)

أي قيل لكل من عشق قبلي إنه مجنون , لكنني لن أقبل نصحكم وكلامكم ..

ثم أخذ يشرح حاله ووضعه بكل حزن مؤثر , ويشكو إليهم ضعفه وما هو فيه من

وضع نفسي وجسدي بائس :



ياناس عنكم شاطن القلب مشطون=أنتم ترون الحال منتم بغيّاب
أنا بوادي التيه وأنتم تهرجـون=بيني وبين هرجكم ستر وحجاب


أنا مشغول بنفسي ومرضي الشديد , وأنتم تشاهدن بأعينكم ما بلغ بي من المرض ,

وكأني بوادي التيه وهو الوادي الذي عاقب الله به قوم موسى فتاهوا فيه أربعين سنة ,

وأنتم تتحدثون وأنا لا أعي من شدة الإعياء ما تقولون .. كل ذلك باستعطاف يذيب

الجبال .. ثم حسم النقاش بكل حزم , فقال :



كان إنكم ترضون باللي تعرفون=محيي العظام البالية رب الأرباب
والله ماأسمع هرجكم لو تلجّون=بالصوت يندب منكم الشيخ والشاب


وليس بعد هذا القسم من رجاء في إقناع .. لكنه منحهم فرصة أخيرة واستثنى قائلا

(إلا . .) فتهللت وجوههم ظنا منهم أنهم سيشترط عليهم شرطا قابلا للتنفيذ , لكنه

قضى على رجائهم قضاء مبرما وخيب آمالهم , واغتال فرحتهم وتهلّلهم حينما قال :



إلا .. إن سمع فرعون ما قال هارون=أو يسمع الميت نبـا صوت نحاب
ومعلوم أن فرعون لم يسمع ما قاله له موسى وهارون , كما أن الميت لا يسمع صوت

الباكين النائحين الناحبين عليه .. والمعنى انسوا السالفة !

ثم تركهم وأخذ يتوجد بعبارات ذائبة , تصف الحال , وتذيب القلوب المرهفة , وتقنع

العقول المنصفة :



أظن من وصل الدرك له يعذرون=كل الخلايق لو رمى عنه الأسلاب
ووصل الدرك أي استدرك وأشرف على الهلاك .. يقول أظن أن كل من وصل إلى

هذه الحالة الشديدة من المرض , وأشرف على الهلاك .. يعذره الناس حتى لو ألقى

ثيابه وتعرّى أمامهم من هول مابه ..



وعقلٍ عْرِجْ به وأذهل الذهن مرهون=روحه لكنّه بين لاوي وجذّاب
أي أخذ يصارع سكرات الموت , ويصاب بغيبوبة الموت , وأصبحت روحه كأنها

تتصارع بين شادّ وجاذب .. ثم التفت إلى أخيه وصديقه ومستودع أسراره (علي)

قائلا :



ياعلي حدّ النفس مادونها دون=ولا مع الحيين ترجين بحساب
أي وصلت نهايتي في الحياة فلا تحسبني منذ هذه اللحظة مع الأحياء !

فخرج من عنده ناصحوه من الأقارب خائبا مسعاهم , وعادوا بخفي حنين ..

ثم إنه بعد فترة تزوج المرحومة (هيا المنصور الزامل) وأنجبت له عددا من البنين

والبنات , وهم عبدالعزيز (الشاعر) وحمد وسليمان وإبراهيم (الشاعر) .. وعاش معها

سعيدا حتى وفاته رحمهم الله جميعا ..

ولعلي أشير هنا إلى مسألة أخطأ فيها المرحوم خالد الفرج ناشر وشارح الديوان ,

حينما فسر قول القاضي :



لي بين حرف العين والصاد مضنون=والكاف طاف بزين تلعات الأرقاب

فقال : أراد بحرف العين والصاد من حروف شفرة الدرسعي . . ومحبوبته التي ألغز

فيها اسمها نورة , وقد يتبادر إلى الذهن أنها (هيا) من حروف (كهيعص) .. انتهى كلامه

قال روح التميمي : وهذا اجتهاد غير مصيب , وتكلف في التفسير , والأستاذ خالد

يظن أن القصيدة خيال شاعر , ولم يعلم أن لها قصة حقيقية .. والصواب ما نفاه ,

فقول القاضي (لي بين حرف الصاد والعين مضنون والكاف ..) يقصد أن محبوبته

اسمها يقع بين حرفي الكاف والعين من كلمة (كهيعص) في أول سورة مريم , وهو

يُقرأ (هيا) .. أما الدرسعي الذي أشار إليه فلا يُعطي كذلك اسم (نورة) !

وللفائدة فالدرسعي ـ وهو نوع من الترميز والتلغيز والتغطية في الأسماء ـ يقوم

على ربط كل حرف من حروف الأبجدية بحرف ملازم له ولا يتغير , بحيث إذا

ذُكر أحد الحرفين كان المقصود الآخر , وقد تم ربط حروف الدرسعي كما يلي

(كم . أو . حط . صظ . له . في . در . سع . بز . خش .تذ . ثج . ضغ . نق) فإذا ذكر

الكاف فالمقصود الميم , وإذا ذكر العين فالمقصود السين , وإذا ذكر الجيم فالمقصود

الثاء , والعكس صحيح .. وسمي الدرسعي نسبة إلى تجاور حروف (در . سع) في

تصنيف الحروف .. وإذا نظرنا إلى حروف (كهيعص) وجدنا أن ترجمتها حسب

الدرسعي هو (ملفسظ) , لأن الكاف يقابلها الميم , والهاء يقابلها اللام , والياء يقابلها

الفاء , والعين يقابلها السين , والصاد يقابلها الظاء .. وكلمة (ملفسظ) لا معنى لها ,

وليست (نورة) حسب زعم الفرج رحمه الله ..

وإتماما للفائدة والمتعة إليكم القصيدة كاملة ,


حل الفراق وبيـح الوجـد مكنـون=قلبٍ تعايوا فيـه شطريـن الأطباب
حيـران قلبـي بالزناجيـل مسجـون=في سجن ابن يعقوب أنحى وهو شاب
وبي علة أيـوبٍ وغربـال ذا النـون=وبي عبرة المكظوم أناجبت ما جاب
وبي زفرة ٍ كل المـلا مـا يطيقـون=معشارها لو هي بصـمّ الصفـا ذاب
لا شك ما يكتب على العبـد بالكـون=يجري قضاه وكل شيء لـه أسبـاب
لي بين حرف العين والصاد مضنون=والكاف طاف بزين تلعات الأرقاب
غروٍ شعاع الشمس يوضي بمقرون=حجاجه قناديل الحرم بيد شبّاب
لحظيه مسلولٍ من الهند مسنون=وحراب يطعن به ويعلّق بنشّاب
بين شفتيه من أشرف الدر مثمون=حصٍّ وياقوتٍ بهن صرف الألباب
به سحر هاروت وماروت مقرون=والصرف يغذى من جبينه وينجاب
كامل وصوف الزين أنا منه مطعون=بسهم يسلّ الروح به سل دولاب
وبقيت مشغوفٍ هبيلٍ وخلّون=مثل الطريح اللي تدالته الأسباب
يا علي قتل الروح هو ذكر مسنـون=تفتون بأيـّا مذهـبٍ حـلّ وكتـاب
روحٍ تسام وسيّمه باع مديون=يا من يسوم الروح للخير كسّاب
فصخت ثوب الستر وأبديت مضمون=سدٍّ فضحه النوح والدمع سكّاب
يحق زعج الدمع دمٍّ لمفتون=قلبٍ وعينٍ مغريات بالأحباب
متحمّلٍ لو قالوا الناس مجنون=فأنا لما قالوا صميمٍ وعتّاب
ما لامن أحدٍ لو عن الحال يدرون=ومن لامني بمورّد الخد ينصاب
تشيله رياحينٍ من الجانّ يدوون=بالسبع سبع سنين ما عنه نبّاب
في حب غطروف برى الحال وادعون=بري القلم في كف شطرٍ وكتّاب
جاني من أقرابي نصاحى يعزّون=قالوا سفا بالحال ياحيف منصاب!
علام جسمك ناحل؟ قلت مطعون=قالوا بعقّ؟ قلت بحراب الأحباب
قالوا من أنت بحربته؟ قلت تدرون=إني كما حيران (حمّام منجاب)
عرّضتكم بالله لا لي تعذلون=ياناس كثر القول والنصح ما ثاب
قالوا تصرّ من الهوى قلت فاتون=عن حال مفتونٍ بحوري الأتراب
قالوا هبيلٍ قلت قالوا (لمجنون=ليلى) مثل هذا وأنا عاصيٍ آب
ياناس عنكم شاطن القلب مشطون=أنتم ترون الحال منتم بغيّاب
أنا بوادي التيه وأنتم تهرجـون=بيني وبين هرجكم ستر وحجاب
كان إنكم ترضون باللي تعرفون=محيي العظام البالية رب الأرباب
والله ماأسمع هرجكم لو تلجّون=بالصوت يندب منكم الشيخ والشاب
إلا إن سمع فرعون ما قال هارون=أو يسمع الميت نبـا صوت نحاب
أظن من وصل الدرك له يعذرون=كل الخلايق لو رمى عنه الأسلاب
وعقلٍ عْرِجْ به وأذهل الذهن مرهون=روحه لكنّه بين لاوي وجذّاب
ياعلي حدّ النفس مادونها دون=ولا مع الحيين ترجين بحساب
مني صلاةٍ عدّ كاين ومكيون=على النبي والآل مني والأصحاب

من قصائده:


هيهات من يسلم من الشـوم واللـوم=رضا النـاس فيـه غايـة مـا ترامـي
ما ذكر مخلوق عن العيب معصوم=إلا الــذي ظـلـل عـلـيـه الغـمـامـي
كم واحدٍ حده طغـا الجهـل والـزوم=حتى شرب بالكره كـاس الحمامـي
كم سـاريٍ فـي تالـي الليـل منجـوم=اصـبـح بصـحـاح بعـيـد المظـامـي
حـذراك خـلان الرضـا عدهـم قـوم=مـروك مـا ردوا علـيـك السـلامـي
كـم جامـع مـال وهـو منـه محـروم=سلـط علـى مالـه عـيـال الحـرامـي
لا تكتـرب يـا بايـت بــات مهـمـوم=ترى الفرج عند اكتراب الحزامـي

ويعد النقاد قصائد القاضي في كل معنى يتطرق له قمة الأشعار النبطية تقاس عليها قصائد باقي الشعراء حيث أصبح الشاعر مضرباً للمثل كقوله:




بالدمع باسم الله يا عين مجـراك=محاجر البحرين جفنك عن العين
يرعد سماك ويمطر الدمع من ماك=لا صاح به زجر الملك ساقه البين
اليا عذلتك زاد نوحـك وبلـواك=تسرين في سفك المدامع وتجرين
بالعون يا عين الخطا صرت وياك=مثل الخطية دايم الـدوم تشنيـن


*******


قصيدة أخرى يرثى بها طلال العبدالله بن رشيد وصف انتحاره فيقول:


أعطت طلال الملك ليـن أمهلـت لـه=تزخرف على وجهه بتجميع الأصنافي
يوم استتمت له وجت له على الهـوى=جرى من سبب كفه على نفسه إتلافي
وتملك بها غيره وهـي فـي حبالـه=وهي منه حبلى قاربٍ شهرهـا لافـي
تناهـى مقـام العـز منهـا ولابقـا=ملكٍ عظيـم مارفـى شقـه الرافـي
حنت عليه جبال حايـل ومـن بهـا=من الجار والجالينه وصنوف الأضيافي
عمار الجبل سور الجبل هيبه=الجبـلحمى دون ساكنها بشر ثات لا سيافي




*******


وفى أواخر أيام شاعرنا محمد القاضي اعترته الأمراض فأنهكته وهدت قواه وبدأ يصارع المرض حتى صرعه المرض فتوفاه الله وكانت آخر قصيدة قالها بحياته قصيدته المشهورة والتي سميت ((توبة القاضي)) وفيها يتجه إلى الباري عز وجل يطلبه العفو ومنها هذه الأبيات :





يا محل العفو عفوك يـا كريـم=ولطفك اللي كافلٍ كـل الأنـام
يا سميعٍ يا بصيـرٍ يـا عليـم=يا قويٍّ يـا متيـنٍ يـا سـلام
يا حميدٍ يا مجيـدٍ يـا حكيـم=يا عزيز ذو الجلال والإكـرام
موحدٍ يدعيـك بالليـل البهيـم=بالتخضع والتضـرع بالظـلام
خاشعٍ لك خاضعٍ لـك مستقيـم=أسألك وادعيك بأسماك العظـام
أن تروف بحال من جسمه سقيم=علته تبراه من خمسـة عـوام


توبة القاضي رحمه الله



يا محل العفو عفوك يا عظيم=ولطفك اللي كافل كل الآثام
يا سميع ويابصير يا عليـــــم=يا قوي ويا متين ويا سلام
يا حميد يا مجيد يا حكيـــــــم=يا عزيز ذو الجلال والإكرام
يا عطوف يا رؤوف يا رحيم=جلَّ شانه ما يهام ولا يــــرام
بنورك اللي يوم ناجاك الكليم=دك سينا خرّ موسى ثم قــــام
مـُوحد ٌ يدعيك بالليل البَهيــم=وبالتخضع والتضرع بالظلام
خاشع لك خاضع لك مـُستقيم=اسألك وادعيك بأسماءك العظام
أن تـَروف بحال من جسمه سقيم=عِلته تبراه له خمسة أعوام
داوني بدواك مـِن داءٍ أليــــم=واشفني بشفاك يا من لا يضام
من انتحالي دوك حالي حام حيم=والمرض رض الأعضاء والعظام
مدله نفسي بتدليه العظيـــم=عن لذيذ النوم مع طيب الطعام
ولا لي مشكى غير للرب الرحيم=بحق السبع السماوات العظام
ذا ومع ذا لو تمادوا بالنعيم=فإن عمر المرء مرده للعدام
كل ابن انثى ولو طال سليم=لا زم ٍ يشرب بكاسات الحِمام
من عميم إحسانك ارحم يا رحيم=يوم نزع الروح وإن جاها حمام
قام يصعدها ويحدرها غريم=في عضاه من الدماغ إلى البهام
شاخص طرفه وريقه ريق هيم=كل عرق بالعرق يرشح شمام
يوم نزع الروح لجنَّ الحريم=وجضوا أهل البيت واشتغل الغلام
والشفيق اللي يوده والرحيم=يستشين بشان تجهيزه قوام
والخشب دن مع الخام الرخيم=وفصلوله وزره فوقه حزام
ثم شاله كل شغموم حشيم=مرجلين معجلين بالهمام
ووضعوه بمُوحش قبر ٍ ظليم=ووسدوه اللِبنَ عن ريش النَعام
وكشفوا عنه الغطا قبل الهديم=وفككوا عنه العصايب والحزام
ورصفوا فوقه من اللِبن ِ الضخيم=وادخلوه وودعوه بلا كلام
وحدوه بموحش ماله نديم=غير ما قدم من أعمال قِــدام
عند خلق ٍ بارزين في صَميم=صامتين ما يردون السلام
حال ما خلوه بالبرزخ مقيم=جاه من ناجاه عن خمس ٍ تَمام
اسأله يلهمك رشدك يا غريم=في ثباتك للملائكة الكــــرام
وعقب هذا البعث والهول العظيم=يوم حشره يوم نشره للأنام
يوم يبعث كل ذي عظم رميم=في صعيد للحساب والخصام
يوم نـَصبه للسراط المستقيم=لنسل يافث ثم حام ثم سام
حاسرين عابرين به نظيم=ذا يصيح وذا يطيح من الزحام
وذا جريح وذا عطيب وذا سليم=وذا يمر مرور برق ٍ في غمام
وذا يُسرُ وذا يُجَرُ إلى الجحيم=وذا إلى الفردوس من باب السلام
وذا يُخلدُ بالنعيم اللي مُقيم=وذا مسيم في لظى دوم الدوام
كيف من ييقن بهذا يا غشيم=يفنى الدنيا ويغرى بالحطام
وين ابوك وين جدك؟ يا عديم=وين خالك وين خِلك والعمام؟!
وين شُبان يهدون العديم=وين شيبان ٍ شغاميم كـــرام
صُيروا في قبورهم مثل الهشيم=خامدين هامدين في هدام
تبرم الدنيا وينقض للبريم=واخيرها منقضية مثل الاحلام
يا (أحد) يا (واحد) شانه عظيم=يا (صمد) يا عالم كل العلام
سامع في غِبة البحر البهيم=صوت يونس يوم نادى بالظلام
يا إلهي خذ بيد قلب ٍ سليم=عن عذابك يوم للخلق ازدحام
من بحر مجدك وجودك يا كريم=نفحة نـَسعـَد بها دوم الدوام
أنا دُست الخطايا من قـَديم=طالبك صفحك وعفوك لي ختام
الهوى والنفس أغواها الرجيم=ونشر فضلك واسع ذا والسلام
ذا وصلى الله على طه اليتيم=وآله والصَحب ما هل الغـَمام
عدد من طاف بالبيت القديم=بين زمزم والحجر هو والمقام

ومن قصائده



فراق الدهر هبت له رياحي = سعت بفراق من فارق وراحي
تحققت الخبر وامسيت كني = صريع شاربٍ له كاس راحي
ورثت احزان يعقوب بنوحي = سلفت واحييت عصره يوم راحي
يزج الدمع من فرقاه يوسف = اطال النوح لين انحا وطاحي
انا فارقت لذاتي وذاتي = تكدر دهري الصافي وراحي
زعجت الياه وين اهل السوابق = اهل عطرين نسمات الرياحي
الا ياركب دنوا لي قلايص = مراحيل مراسيل الطلاحي
مراديل علاكيمٍ همايم = تجاذبنا التغاري واتناحي
قلايص بزلٍ عوض هوايع = هميماتٍ بعيدات المضاحي
الى اقفن كنهن جول نعايم = بين اريام دمثات المداحي
فيوم اصحيت من خمر السكارى = وشفت اهل النجايب قلت انا حي
مراحيلٍ بغوا غاية مرادي = بطاريهن يطرون الرواحي
فجاء الرسول يندبني وينخى = يقول الركب صاحوا بالفلاحي
زعجت الياه وين اهل النجايب = بعالي الصوت واومي في شلاحي
الا ياركب عوجوا لي عجال = اسطر في سطر طرس الطلاحي
افيق ان كان لي فيكم رفيق = يكون منورٍ قلبه وصاحي
يفيض ابكارٍ غميقات المعاني = بفكرٍ قاصرٍ عنه امتداحي
احملكم سلام من ولوهٍ = شفق عدد صحاح الضواحي
لطيفٍ سايغٍ الذ وأحلى = على العطشان من سح البطاحي
الى طفل قطف نوار عمري = وجاز الود بعده والسفاحي
قولوا له بعد نشر السلام = بلطف واخبروه يكون صاحي
لودٍ سابقٍٍ بيني و بينه = وعهدٍ سالفٍ قبل التناحي
فلا واللي سمك سبعٍ عظام = ونزل بالملك كتبٍ صحاحي
فلا جسم بلا روح يعيش = محال ان كان هو زل المزاحي
فكيف الطفل يسلى عن غادٍ له = جري التجريب عن كثر اللحامي
الا يا عزوتي عزوا عزيز = قتيل الشوق مكفي السلاحي
ومن رام الهوى ما رام مثلي = عنودٍ عينها عين المياحي
تخنطل باطلسٍ كنه الى ما = تمايل به تذل من الطياحي
تميل وتنثني عني بعطفه = الى مال الغطا عنها وطاحي
كشمعة مولعٍ في جوف صافٍ = من البلور محلى الصفاحي
الا يا عاذلي يخفاك حالي = كما انك دالهٍ نومك صطاحي
على نسل آدم منتب وكيل = كفاك عيوب نفسك لا تلاحي
تصبحني بعذلك كل يوم = صباح الله قبل هاك الصباحي


وله هذه القصائد:



الصبر محمود العواقب فعاله=والعقل أشرف ما تحلت به الحال
والصمت به سرٍّ سعد من يناله=والهذر به شرٍّ وشومٍ وغربال
وأشر آفات الفتى البخل بماله=وأشر منه المطل في كل ما قال
ولا خير باللي ما يصدّق مقاله=فعلٍ بحالاتٍ قصيرات وطوال
فالبلّ معلومٍ بالأيدي عقاله=والخيل تزلج بالشبيلي والأقفال
والرجل بالواجب لسانه عقاله=لا قال علمٍٍ تم لو حال به حال
والمال كثره عار إلا بحاله=فضلٍ ومعروفٍ إلى نال ما نال
ومن جاد جدّه صار ضده نعاله=ومن ساءت أخلاقه فراقه هو الغال
ومن لا يفارق موضع الهضم غاله=فالقهر مثل السيف والحيف قتّال
ومن هاش حاش المرجلة والشكاله=ومن ذَل ذِل ومن حال يقتال
ومن جاد ساد ومن يشح بحلاله=ما أدرك مرام ولا صعد مصعد عال
والفقر هدّامٍ براسه صعاله=والجود من ماجوده إن ثار بعقال
ولا يفتخر من جاد جده وخاله=هي بالهمم لا بالرمم مثل من قال
فالجمر يمسي كالخلاص اشتعاله=ويصبح رمادٍ خامدٍ مغبرٍ بال
ومن قالب الدنيا بالأريا لحاله=أخطا وأصاب وله دليل بالأقوال
كم خيّرٍ ما نال منها سؤاله=وكم ثور هورٍ ساعفت له بالاقبال
فالسبع رزقه من جيفها ختاله=وجيشٍ ضعيفٍ مرغدٍ رزقه أشكال
ومن كرر إفكاره بالأشيا بدا له=ضغاينٍ تكشف خفيّات الأحوال
فإن جلّ رجلٍ في عيونك فماله=وأوزنْ ثقل عقله بعقلك بمثقال
وتكشف ضغاين غايته بالرساله=أو لفظ مرساله بعنوان ما قال
ويبين لك فضل الرجال بمجاله=إن جا جدال فيه فضّ للإشكال
فالصاحب الصافي تِحِمِّل خماله=يلزمك وإلا الضد حِدّه على الجال
واصحا ترى طرد المقفِّي عذاله=يتعبك والمقبل عطه وجه وإقبال
ترى بوجه اللي يودك دلاله=وضده بمن تكره تراهن بالإغزال
واحفظ وصح وصاة أمين الرساله=لا تغضب أو تجزع إلى حل بك حال
من ضاق ما أدرك مرامه محاله=والبصر قبل يريّع الفكر لك تال
فالدهر له حال اكترابٍ وحاله=يِنفكّ منه العسر باليسر ينجال
كم ضيقةٍ ينفكّ مشكل مجاله=بلطفٍ مْنُه ما عاد يخطر على البال
إن رمت رايٍ فاستخر ثم واله=واعزم وزمّ واجزم على الحال بالحال
كم فات راع الهون عليا يناله=وكم حصّل العليا غشومٍ بالاجزال
إلى صدر بالراي والشور قاله=ما طاع ذلالٍ برايه وعذّال
ومن يفشي أسراره وقع بالجهاله=عطا العدو زمام عقله وهو عال
فالسد له خلٍّ وثيقٍ صفا له=نقّاض مفتولٍ بالاريا وفتّال
إلى احتجت راي فرّ فكر بحاله=يخاطب عواقب كل أمرٍ بالاجمال
يبصرك بأشيا مشكلات صحا له=يوريك ما صوّر على صفحة البال
واشك الحوال لمن تحول بحواله=يسعدك ويبصّرك ويشرح لك البال
هذا وكل من ادّعى بالشكاله=عمّج وتاه بمظلم الليل باللال
ومن اغتر بالدنيا فهو من هباله=ما يعتبر بآجال جولات الأجيال
لصولات دولاتٍ عصاةٍ مضى له=ملْكٍ وحطّتهم تواريخ وأمثال
ذهْبوا وذِهْب المال من له وماله=والحمد هو والمجد يبقى إلى التال
والعمر فيّ زايلٍ لا محاله=وبالحشر ينشر من عمل وزن خردال
فالله توّابٍ منيبٍ يساله=عفوه إلى نشر الصحايف والأعمال
إلى جا غريم الروح باغي زواله=زفّوه عجْلٍ لين جوا به على جال
قبرٍ يشوف الهول به والهواله=مِتْفرّدٍ في موحشٍ مظلمٍ خال
طالبك روحٍ لا عليها ولا له=يغفر خطا ما فات ياغافر الزال
وصلوا على المختار والصحب وآله=ما التجّ حجاج بهاذيك الأميال


* * *


إلى أبصرت بالدنيا تكدّر لي الصافي=تعذّر زماني ما حصل صاحبٍ صافي
أفيّض عليه أسرار ما التجّ بالحشا=وكل شعيبٍ له مفيضٍ إلى طافي
ومن عاش ما له في زمانه منادم=تجرهم عمى رايه على جرف ميهافي
تخيّر من أجناسك رفيقٍ تودّه=وثيقٍ غميق الفهم للعلم عرّافي
يتحمل زلاتك ويبصرك ما خفى=للقلب دربيلٍ للابعاد كشّافي
وراغم على الخل القديم ولو سها=واصرم إلى بان الجفا لك والاجنافي
وترى ذهاب الذهن عشرتك لاحمق=يجوّز طغى جهله على حلمك الوافي
وترى عذل من لا يرعوي لك جهاله=كما وصف من ينفخ بكيرٍ وهو طافي
ومن اغتنى بارياه عن شور ناصح=تندّم ويِكشف لع إلى شلف ما عافي
ومن خاطب الجاهل فهو مثل من كشف=وجهه وقابل شعف عاصوف الأصيافي
ومن لبْس تاج الكبر ما صان عرضه=ولو ممطرٍ جوده على الخلق هتّافي
ومن شال حمل الزوم كاد امتحانه=ولا حمّل الله عاجزٍ حمل الإسرافي
ومن طاول أطول منه ما استرّ ساعة=يجاهد جنودٍ ينقسم رايها أنصافي
وتكلّفك بامرٍ ما عناك عذاله=وتبرّيك عما كان يلزمك له قافي
ولا تسلك إلا مسلك الدين والتقى=ولا تنزل إلا في علا روس الأشرافي
ولا تصافي كود حيدٍ سميع=غيورٍ على الصاحب نصوحٍ وميلافي
ولا تلوم النفس في جاري القضا=ما لك عن المقسوم يالعبد من لافي
وباشر هل المعروف منك بتواضع=وهل الشر بادرهم بشرٍّ وتستافي
ترى اللئيم إن لان له منك جانب=توطّاك ويوري إنه يخيف ويخافي
فالعوشزة لو هي على النيل ما أثمرت=بوردٍ ويقوى الشوك والغصن غريافي
وكم جاهلٍ صوّل على غيره القضا=ويجرّم بفعله مسلمٍ غافالٍ غافي
وكم بخيلٍ فرّش الخلق ماله=وهو منه محرومٍ على نفسه اتلافي
كوصف إبرة عريانةٍ دبّ دهرها=وهي تكسي المخلوق من قمش الأصنافي
فالمال له حقٍّ حلاته مع الفتى=يضرب به المجرم ويبذله للصافي
فمشيي على حدّ الصراط متحسّر=لما آقف بقعرٍ في لظى ما له أطرافي
ولا أقصد لئيم طالبٍ منه حاجة=لو هي بكفه حال دونه جبل قافي
وترى الطبع ضلعٍ ما يزول ولو نزل=زحل في منزل المرّيخ ما افترّ بعسافي
وجلوسك مع الفهم مما يفيدك=ومع البهم يطبع ران قلبك عمىً خافي
ولا تبدي أسرارك لمن لا يسرك=ترى أكثر نصاحك يريدون الإشرافي
ولا توري الرقة إلى اوزمك همة=تِرجف به الصافي وتِفرح به الجافي
فصحيب العيا والعجز ما أدرك مرامه=يفوته وهو يذري على راسه السافي
ولا تِتّبع راي السفيه من الملا=غضوبٍ على أدنى الدون للخل نكّافي
ومن عاش يزرع بالتماني رياضه=يحصد الهوا ويوافي الغبن يستافي
ودمار العمار بدار ذلٍّ مقامك=ولو تربة أرضه تِنبت اللولو الصافي
وبالعز لو في راس حزم ترومه=لكنك في جنّاتها مرغدِ غافي
ومن شاف بالدنيا قبول كمت له=بْخيلٍ مغاويرٍ وهجن له أردافي
ومن رامها عشقان واغري بحبها=فسوفْ يرى منها تناكير وعيافي
ولا تكترب لامرٍ تقدم همومه=ترى صعب الأشيا ما اعترض لك بالأصدافي
فالى اشتدّ حبل وسار سوٍّ ترى الفرج=قريبٍ بـ(ألم نشرح) دليلٍ وهو كافي
فبين افترار الصبح والليل كم حدث=يسرٍ بعد عسرٍ والأيام زلافي
وابرم دواليبك بالأسباب ربما=تِوافق مفتاحٍ للأقفال ويكافي
فمن راس صعبات المشاكل برايه=أدرك به أشيا ما ينوله بالأسيافي
بعزمٍ فراي العزم كم فك مشكل=ونجّم فلا تدري الشهر وافي او هافي
وتزمّل عقول أهل التجاريب واجتنب=بالأريا عمى رايٍ مع الخوف رجّافي
وأنا عن معاني كل ما قلت عاجز=سراجٍ لغيري محرقٍ نفسي أنصافي
ركنت نفسي للهوى يوم لي به=مرامٍ وشفّي فيه مياس الأعطافي
خدمت القلم والطرس للشوق مصخر=بعساف شرفات القوافي على القافي
فإلى جزَت نفس الغريم من الهوى=فلا ينفع المسنين تذكير الأريافي
سنينٍ توالت يوم لي بالهوى هوى=حربت الكرى ما أذكر بها ساعةٍ غافي
وصدّرت ولا يغنى الفتى ذكر ما مضى=لا عاد عن طلب الهوى معطيٍ قافي
كذا البدر يطغى في بروجه إلى انتهى=ويكسف ويِصحي صافيٍ يوم الأنصافي
سلامي وتسليمي على شافع الورى=دعا الملك القدّوس والروس كِشّافي



شهد النصف الثاني من القرن الثالث عشر الهجري اضطرابات سياسية وحروبا

دامية في منطقة نجد وما حولها .. ولعل من أهم أسباب نشوء تلك الاضطرابات

ظهور إمارة آل الرشيد في حائل بزعامة عبدالله العلي الرشيد الأمير القوي الفاتك

وأخيه عبيد البطل المغوار ! ولعل أبرز ما تميز به هذان القائدان هو المغامرة والشجاعة ..

وبعد ظهور إمارة آل الرشيد بأقل من سبع سنوات بدأت سلسلة من المعارك بين

حائل والقصيم عموما وعنيزة على وجه الخصوص , وكان من نتائج تلك المعارك

أن قُتل بعض زعماء عنيزة وأهمهم مؤسس إمارة السليم فيها وهو يحيى السليم ,

قتل في (بقعا) أولى الكوارث على أهل القصيم , وذلك سنة 1257هـ , ثم قُتل عدد

من أسرة السليم في عدد من المعارك التي أعقبت (بقعا) .. وخصوصا في عهد مؤسس

إمارة الرشيد عبدالله الرشيد ..

وبعد وفاة عبد الله الرشيد سنة 1263هـ تولى بعده ابنه طلال , وكان طلال على النقيض

من أبيه وعمه .. إذ تفرغ لبناء (حايل) , وسعى إلى ازدهارها .. وترك شن الغارات

غير الضرورية والتحرش بالقبائل والمدن ..

وفي سنة 1281هـ غزا الجوف بتأليب من عمه عبيد , ولم يذهب بنفسه , بل أرسل

عمه الذي عاد منها مظفرا بمكيدة ..! بعد تلك المعركة أرسل محمد العبدالله القاضي

(شاعر نجد الكبير) قصيدة إلى طلال الرشيد يمدحه فيها , ويشيد بتلك المعركة ..

ولم يُعرف يوما أن محمد القاضي , كان له عناية أو اهتمام بالشؤون السياسية عموما

ناهيك عن مدح آل الرشيد أعداء بلده وحكام بلده وأنسابه ..! فمالذي دعاه إلى مدح

طلال الرشيد ؟ سؤال محير حقا , ولا جواب له إلا بالاستقراء ..

يقال والله أعلم ـ ولست أعلم أين قرأت هذا القول ـ إن بعض أهل البادية المحيطة

بعنيزة آنذاك نهبوا غنما وإبلا لبعض الأهالي , فلم تتصرف القيادة آنذاك التصرف اللائق

تجاه ذلك , فاغتاظ الناس ومنهم القاضي الذي استغل حادثة انتصار طلال الرشيد

على الجوف وقتها , فمدحه نكاية بقادة مدينته .. ويرجح هذا الرأي بيت لم يرد في القصيدة المنشورة ,

لكنه متداول على أنه آخر بيت فيها , وهو :



ياليت حكمك عندنا يالرشيدي=ما كان يوخذ زملنا من ورا الباب!
وربما كان القاضي إضافة إلى ذلك معجبا بشخصية طلال , وهذا لا شك فيه ,

فالقصيدة هذه وقصيدة أخرى رثاه بها بعد وفاته تؤكدان ذلك ..

المهم أن القاضي ـ كما يقول الرواة ـ كتب القصيدة , وانتدب مرسولا يوصلها إلى

طلال في حائل , وألح عليه بضرورة توخي الحيطة والحذر , لأن الموضوع خطير

لكن الداهية زامل العبدالله السليم نائب الأمير (وهو الأمير الفعلي وقتها) علم بأمر الرسالة ,

فأرسل مجموعة من (رجاجيله) للقبض على الرسول وإحضاره , فكمنوا له في الطريق

وأمسكوه وأحضروه إلى ديوان الإمارة , فمثل أمام زامل طائر القلب , فهدأ زامل من

روعه وطمأنه , وسأله عما معه فقال رسالة لطلال الرشيد من محمد القاضي ,

فقال زامل : لا عليك , أرنا الرسالة , فأعطاه إياها وعند استلامها شدها زامل قليلا

فانشقّ طرفها فأخذ يعتذر إلى الرسول ويبدي أسفه له , وقال له : لا يجوز أن تذهب

بها وهي مشقوقة , لذلك سنعيد كتابتها في ورقة جديدة , فاستصوب الرسول الأمر ,

فأمر زامل كاتبه أن يكتب ما يمليه عليه , فأخذ يملي القصيدة على مسمع من الرسول

بيتا بيتا , وحين وصل نهايتها حذف البيت المشار إليه أعلاه ووضع بدلا منه :



أبي مِنِك ياشيخ ميّة مجيدي=مع مشلح ياشيخ شف مشلحي ذاب
(والمجيدي) عملة تركية متداولة في ذلك الوقت .. وواضح مقدار الدهاء الذي تصرف

به زامل تجاه الموقف , فهو تعمد إتلاف الرسالة الأصلية ليضع بدلا منها ما يريد ..

كما أنه استطاع أن ينسف القيمة التأثيرية للقصيدة بتغيير بيت واحد فقط في آخرها !

وهو يريد أن يجعل القاضي أمام طلال متكسبا متسولا بشعره .. فتسقط (هقوته) وقيمة
قصيدته

وبعد الفراغ من كتابتها لم يشعر الرسول بالتغيير الذي طرأ على القصيدة , فأخذها

وهو مطمئن إلى أنها نسخة طبق الأصل .. ثم أطلق سراحه وانطلق إلى حائل , وهناك

استُقبل استقبال الزعماء .. وكيف لا يُستقبل كذلك وهو يحمل قصيدة من شاعر نجد

الكبير محمد العبدالله القاضي , وقادم من عنيزة أيضا التي لا بد أن يكون لما يأتي منها

من مديح تأثير مختلف , والفضل ما شهدت به الأعداء !

قرئت القصيدة في البلاط الأميري وعلى مسمع من جميع الحاضرين , فاستمتععوا بها

غاية الاستمتاع .. ولكن عند قراءة البيت الأخير , تغيرت أوجه القوم , وأخذ ينظر

بعضهم إلى بعض , مستغربين .. أكل ذلك المديح كان تكسبا وتسوّلا ..!! وبعد برهة

فطن طلال وعمه عبيد , وكانا يعرفان أن القاضي من علية القوم , وليس من المتكسبين

فأخذا يفكران , ثم توصلا إلى رأي وهو أنه لابد أن البيت الأخير مُدخل على القصيدة ,

فأخذا يطابقانه على بقية الأبيات فوجداه غير مختلف , ثم توجها إلى الرسول ,

ووضعا السيف على رأسه , وطلبا منه أن يخبرهما بمن أخذ منه القصيدة ,

فقص عليهما قصة زامل , وعندها تنفسا الصعداء وابتسما وفهما الأمر .. وعند عودة

الرسول أعطاه طلال أربعمائة مجيدي وأربعة مشالح , وكتب للقاضي كتابا يخبره فيه

بالقصة , وذكر لك أن الأربعمائة مجيدي والمشالح الأربعة , هدية لا مكافأة , وأنها

نكاية بزامل على فعلته .. وعندما وصل الرسول وسلم القاضي الرسالة والهدية ,

استغرب الأمر , وعندما قرأ الكتاب وفهم القصة استلقى على قفاه من الضحك , وأخذ

يستطيل الليل لأنه كان مشتاقا إلى لقاء زامل وإطلاعه على فشل مكيدته .. وفي

الصباح دخل عند زامل وشكره على ما قدمه له من خدمة , وزامل متعجب لا يعلم

سبب هذا الشكر , فأراه القاضي كتاب طلال , وأخبره أن طلالا أرسل له أربعة

مشالح بدل الواحد , وأربعمائة مجيدي بدل المائة ! فامتعض زامل امتعاضا شديدا ,

ويقال إنه هجاه ببيتين , هما :



وراه هرجك يا(زبادة) يزيدي=ضدّ مدح ضدّه ولا سرّ الأقراب
طلال ما ينفعه منك المجيد=نجمٍ ظهر عزّي لربعه إلى غاب
ويقال إن البيتين للخياط لا لزامل .. و(زبادة) يقال إنه كان لقبا لمحمد العبدالله القاضي ..

وأحب أن أؤكد على أمرين هنا , وهما : أنه لم تكن هناك أية علاقة بين القاضي وطلال

الرشيد , قبل القصيدة , فليس صحيحا ما يتم تداوله هنا وهناك من أن القاضي كان

صديقا لطلال , ولا يوجد ما يدعم هذا الزعم ..

والآخر أن القاضي في قصيدته الأخرى التي رثى بها طلالا يؤكد على سبب الوفاة

وهو الانتحار , وينفي كل تشكيك في ذلك كما ورد في كتابات المؤرخين , فهو رثاه

فور وفاته , وقال فيما قال :



أعطت طلال الملك لين أمهلت له=تزخرف على وجهه بتجميع الأصنافي
يوم استتمت له وجت له على المنى=جرى من سبب كفه على نفسه إتلافي


وهذا تصريح لا يقبل الجدل في أن طلالا مات منتحرا ..! والسبب أنه أصيب بمرض

يقال إنه نتيجة تسميم تعرض له في شرق نجد , وأن هذا المرض سيؤدي به

ـ حسب رأي الطبيب الفارسي الذي أشرف على علاجه ـ إلى الجنون !

فأنف طلال من ذلك , وقال : (أصير مهبول تلعب علي وغادين حايل !!) قالها مستنكرا

ثم أطلق على نفسه رصاصة فمات ..

وهذه قصيدة القاضي في مدح طلال الرشيد , برواية عبدالرحمن الربيعي ,

وهي هنا تُنشر لأول مرة في التاريخ بهذه الرواية :



طلال لو قلبك حجر أو حديدي=أمداه من حامي وطيس الوغى ذاب
شبّيت في نجد بنار الوقيدي=واحرقت فيه عداك واذريت الأصحاب
وكسيت ملكك ثوب عزٍّ جديدي=وسلّيت حال عداك ياعز الأقراب
بحربٍ وضربٍ شاب منه الوليدي=مالوم من عاداك يومٍ ولا شاب
تلقى الخطوب بباس ليثٍ شديدي=وعزايمٍ عزّت على عمرو وشهاب
أحيت شجاعة خالد بن الوليدي=وأنسيت قالاتٍ لأبازيد وذياب
لو كان عمرو بن معد الزبيدي=حيٍّ لجا بحماك يا زاكي الأنساب!
حيثك وفيٍّ بالوعد والوعيدي=غيثٍ وليثٍ حضرميٍّ وقلاب
صميدعٍ عنتيت عيٍّ عنيدي=شهمٍ وفيٍّ هيلعيٍّ ووهّاب
شفقٍ على الداني حليمٍ رشيدي=طفقٍ على الجاني جريٍّ وحرّاب
روّح لابن شعلان علمٍ وكيدي=إنه بشهر الصوم ضيفٍ لحطاب
وأوفى لهم وافي الذمام الوعيدي=وعنى لهم في خمسة آلف قرّاب
سردٍ وحردٍ كالدبى يوم قيدي=وأتعب طويلات الجلامد على الداب
واقفوا عنه خرّام سك أويدي=وتبدلوا عن دارهم دار الأجناب
خيّم على (مارد) ورد الرديدي=وتم الجواب وعزّب الجيش معزاب
ضرَب وخرّب كل قصرٍ مشيدي=كن الصواعق والرعد حسّ الأطواب
دمّر وجمّر ناعمات الجرديدي=وأهفى مقام القوم والنوم له طاب
بفجريّة كنه ضحى يوم عيدي=بدريّة ويعَز به من بالأصلاب!
وهو على اللي مثل عنق الفريدي=أو قارحٍ مثل الفهد يوثب وثاب
يقلط على الجمع المشهّر وحيدي=كالموت لأرواح الملابيس نهّاب
يدوسهم دوس البغال الحصيدي=عسى عليه من الولي عز وحجاب
أنساهم الماضي بفعلٍ جديدي=وأودع مصاعيب يقادون بكتاب
صاروا له الحكام مثل العبيدي=وأسقى سراج العز كمن دم الأرقاب!
بالغت في مدحه ولا صح بيدي=ولا أحصي خصالْ أعجزت كل حسّاب
يقصر عنه فهمي وينفد نشيدي=ومن الثنا لي خاطرٍ ما بعد طاب
ياولاد عمه كاسبين الحميدي=شمّر ينابيع الصخا حصن الأطلاب
يا ما هفا يأيمانهم من عقيدي=ولا جنّبوا عن قالةٍ خوف طلاب
قوم إلى ركبوا على حرد الإيدي=شفت القلايع كالحراذين هِرّاب
وصلوا على الشافع بيوم الوعيدي=محمد المختار وآله والأصحاب


ومن قصائده:


مفجوع ياقلبٍ بدت فيه خله = مما طرى طار الكرى الجفن جافيه
بكيت لين اجريت من عبرة له = دمعٍ كما زعج الدوالي دواليه
وانتل من صفق المحاجر وهله = موقٍ هطل وبل البكا لج واديه
علمٍ لفا عن سيد روحي لعله = مما بحاله والي العرش يشفيه
جاني وفاجاني خبر علةٍ له = سو الخبر فيمن صبر لامر واليه
فزيت يوم اوحيت بالترف خله = قلت الخبر بالله ذو العرش وش فيه
قالو عليلٍ قلت روحي فداً له = ياليت مابه ينتقل بي وانا افديه
أحييت ميت النوح والوجد كله = وارخصت روحٍ سندت وادي التيه
أنحب وغربت الحيا عن محله = بالويل والولوال هام المهاميه
وعذرت قلبٍ كلما اطريت خله = يعزا له المرعوب ينهش حواشيه
يالله حبل العسر باليسر حله = باشفاك بين الكاف والنون يكفيه
( بطه) وفي ( يس) وما انزلت كله = حله وبآيات التشافي تشافيه
يامنجي يونس واظلَّه بظله = يامن دعاه ايوب واشفاه تشفيه
يامخرج يوسف من السجن حله = ويامفرج ليعقوب تفرج لغاليه
يانادبي ود الرساله وقل له = والله من ذقت الخبر طحت باكيه
كني صريعٍ دك به الف عله = ومن شاف حالي سال واقسمت ما افشيه
واقسمت ليتي بالمرض في محله = وما حل به يرفع ويوضع بداعيه
يسمح به الجسم المحرق لخله = وتخضع له الروح العزيزه وترضيه
مغرمك مايجي الدهر من هواً له = ولا ينفع القلب المحرق تمانيه
أعذرت واحضرت القلم والسجله = واد الحشا جا مكبر من معاليه
بمزاج زاجٍ ما حلا زين تله = وفريت فكرٍ كالتهامي تقافيه
وانشا غمامه من غرامه وهله = فكرٍ حضر كالدر من راي راويه
واتلفت عمرٍ هم الاحباب سله =ياعين حن القلب قومي بعانيه
نوحي وهلي والبكا ذا محله = على وليفٍ بالتصافي مصافيه
أرخصت للروح العزيزه رضىً له = والله ما انسى مامضى من حسانيه
غروٍ الى منَّه تغطرف بدله = خرت له ارقاب الملوك المداليه
الى تغطرف بالهوى لي هوىً له = دجرٍ كما غصن السفرجل تمدريه
كالبدر يوضي في سنا غرةٍ له = وزاهي اللوالو ناض من بين اشافيه
نورٍ على نورٍ لكن الشفة له = كالحص والمرجان والشهد في فيه
ياسيدي روحي غرامك يسله = وامسى فقيد الروح كافيه مافيه

وهذه القصيدة :


لعلّ برّاقٍ صدوقٍ خياله=محنٍّ مرِنٍّ مرجحنٍّ وهطّـال

حين ارتكب كنّه شوامخ جباله=مترادفٍ ذيله يجي سيله ارسال

لجبٍ الى ربرب ربابه صبا له=من الشرق نسّم ردّ الاول على التال

تشوف عياز المزن وقت احتماله=طبوقٍ بجنحان الخضاري له امثال

تنظر خشوم المزن يوضي بجاله=صفايح الفضّه بصالوخ صقّـال

لكن طفاح الرباب اجتـوى له=هجمة مغاتير حداهن خيّـال

كن الرعد به والبروق اشتعاله=تتيبع اطواب الفرنجي الى صال

ونضناض برقه في مثاني خياله=لانشّروا شرع المراكب بالادقال

الى هلّ طار غبار خدَّه وشاله=والتجّ وديان الوعر والسهل سال

يسقي مفالي ديرةٍ ضمّ جاله=مايعجب الناظر بشوفه ويهتال

برباه حور العين يسحر جماله=وحماه هو مربى الجوازي والاطفال

دارٍ لنا وادي الرمَـه هو شماله=غربيّه الضاحي وشرقيّـه الجال

في روضةٍ شرْف المباني قباله=لجّـة غروسه دايرة تقل تفصال

غين وبساتينٍ ظليلٍ ظلالـه=متمايلٍ كالدّوح شاملْـه الاقبال

فسايلٍ كالتين ياحيّ فـالـه=وفواكهٍ فيها الثمر والحمل مال

كالليل ولا الحشر لجّـة محالـه=ماها ومرعاها مزّي وسلسال

دارٍ لنجد مشرعٍ كم عنى لـه=راجٍ ومحتاجٍ ولاجٍ ونـزّا ل

والضيف هو ويّا الضعيف ارتكى له=كرام النفوس اهل القواعد والافعال

دارٍ يجير الجار به من جلاله=ويشمل من الباري بها عزّ واقبال

دار النّدى دار السعد والشكاله=ماساقت الخاوة للاول ولا التال

حموا حماها بالمراجل رجـاله=لين اوحشوا من جا لجاله بالافعال

صالوا وصاطموا الدول دون جاله=بحربٍ وضربٍ يسند العايل الى عال

برايٍ وتدبيرٍ وعقل وصمـالـه=وصبـرٍ وتقديـمٍ وتوخـير الاحوال

بعزمٍ وجزمٍ كان هـمّـوا بقاله=ماثمّـنوا أو طاوعوا شور ذلاّل

فان برّكوا للراي شالت حمـاله=زمل التخوت اللي يشيلون الاثقال

شالوا حمولٍ مايراوز مشَـالـه=العفو مااصبرهم على كلّ الاحـوال

أخيار واشرار الى جا مجــاله=وعقّـال في حالٍ وفي حال جـهّـال

عدامٍ شغاميمٍ كرامٍ سبـاله=هم سورها وحماه كان الوحل حــال

يعجبك مرباع الغميس ان غدا له=نور بنوّاره وبا ازهاره اشكال

ماحدّر الوادي وغرب شمالــه=من وادي الروضـه الى خشمه العال

ومقيـاظها حدّ الوعر من سهاله=رامه ومهره والبريقا الى الجــال

أمٍ لنا من عقّـها من عيـالـه=عِـدْم البصر والسمع والمال ورجـال

وصلّـوا على المختار ختم الرساله=بازكى صلاة تبلغ الصـحب والآل


بالنسبة لديوانه:
قد نشر لأول مرة كاملا في الجزء الثاني من (ديوان النبط)

سنة 1372هـ .. ثم أعيد نشره نقلا عن ديوان النبط في الجزء السادس

من سلسلة ( الأزهار النادية من أشعار البادية) للمرحوم محمد سعيد كمال

صاحب مكتبة المعارف في الطائف .. ولا تزال تلك المكتبة تعيد طباعة

تلك السلسلة .. وأظن أن مكتبة الحكمي الواقعة في شارع الريس بالرياض

تبيع تلك السلسلة وكذلك مكتبة قيس , لصاحبها الأديب الأستاذ محمد الحمدان

لكن يعاب على الأخيرة أنها تبيعه بسعر مضاعف على سعره الأصلي !

ثم نشره خالد الحاتم في الكويت عام 1404هـ , بعنوان

(ديوان محمد العبدالله القاضي) وهذه أول مرة يظهر فيها الديوان

معنونا باسم الشاعر .. لكنها للأسف أسوأ الطبعات !

وهناك دراسة ستصدر قريبا بإذن الله عن الشاعر وسيطبع معها ديوانه محققا


من قصص القاضي:

القاضي والرايس


كان محمد العبدالله القاضي يتنزه في أحد بساتين عنيزة في عصر أحد أيام الصيف الحارة* ..

وفجأة سمع الرايس , وهو متعهد المزروعات بالسقاية , يتغنى بشعره ويردده

لكنه كان يفسده إما بالتحريف واستبدال الكلمات , أو بتكسير وزنه . . إلخ

فاغتلظ القاضي لذلك كثيرا , فعمد إلى (الساقي) وهو جدول الماء الرئيسي الذي ينتقل الماء

عبره من البئر إلى أحواض الأشجار والمزروعات .. فهدم جانبه وهو طيني بالطبع

فتفرق الماء يمنة ويسرة , ثم جلس عنده انتظارا لمجيء الرايس الذي سيبحث عن مكان

انقطاع الماء عندما يلاحظه , وكثيرا ما ينقطع الماء بفعل تهدم الساقي بسبب اندفاع الماء

أو ضعف جوانب الجدول .. وبعد فترة يسيرة أقبل الرايس فوجد مكان الانقطاع

لكنه استغرب وجود القاضي .. فسلم عليه , وقال "مسيك بالخير يابوعبدالله .. ورا الماء منقطع؟"

فقال القاضي "أنا خربته ..!" فارتفع حاجبا الرايس استغرابا , ثم قال : وراه يابوعبدالله ؟

فقال القاضي "حتى تعرف إن الناس مثل منتب تزعل إلى خربوا شغلك يزعلون إلى خربت شغلهم"

فقال الرايس "وأنا وش سويت ؟" قال القاضي " تغني قصايدي وتكسرهن وتغيرهن وتخرب

ألحانهن ومعانيهن .. خلك تعرف !" ثم أنشد القاضي :



والله من بيتٍ ورا الصدر مكنون=و أخاف جهّيل الملا يدمرونه ..!
أخاف جهالٍ وللبيت يلوون=ويخربون اللي مضى من فنونه!



والجهيل , بكسر الجيم , وتشديد الهاء : أخص من الجهال , فهم قليلو المعرفة المتهورون

ثم ضحك الرجلان وكانت مداعبة لطيفة من القاضي وهو صاحب دعابة رحمه الله

وهذا النوع هو ما تسميه العامة مزح برزح وهو مرحلة بين الجد والهزل ..

واشتهر بيت القاضي الأول هذا حتى صار مثلا يُتمثّل به في المناسبات المماثلة ..

قال روح التميمي : والأسلوب الذي اتبعه القاضي في معالجة الموقف , وإيصال الرسالة

التعليمية للرايس وأمثاله , يجب أن يُسجله التربويون باسم القاضي مبتكره , ويجب أن يوثق

ويمنح براءة اختراع .. ويمكن أن نطلق عليه اسم التعليم بالدعابة والمزاح..

رحم الله القاضي وذلك الرايس رحمة واسعة


منقووول ......من مجلس عنيزه للكاتب روح التميمي

قصيدة القهوه الشهيره وهذه من نقلي من كتاب قديم للشعر وسوف اكملها لكم

يامل قلب كل ما لتم الأشفاق
...........................من عام الأول به دواكيك وخفوق
كنه مع الدلال يجلب للأسواق
..........................وعامين عند معزل الوسط منسوق
يجاهد جنود في سواهيج الأطراق
...........................ويكشف له أسرار كتمها بصندوق
لا عن لك تذكار الأحباب وشتاق
..........................بالك وطاف بخاطرك طاري الشوق
دنيت لي من غالي البن مالاق
............................بالكف ناقيها عن العذف منسوق
أحمس ثلاث يا نديمي على ساق
.......................ريحه على جمر الغضا يفضح السوق
وياك والنيه وبالك والأحراق
.........................وصحى تكون بحمسة البن مطفوق
اليا صفر لونه ثم بشت بالأعراق
........................صفرا كما الياقوت يطرب لها الموق
وعطت بريح فاخر فاضح فاق
..........................ريحه كما العنبر بالأنفاس منشوق
دقه بنجر يسمعه كل مشتاق
...........................راع الهوى يطرب اليا دق بخفوق
لقم بدله مولعٍ كنها ســـــــــــــاق
..........................مــــــــــنصوبة مربوبة تقل غرنوق
خله يفوح وراعي الكيف يشتاق
.............................اليا طفح له جوهرٍ صح له ذوق
أصفر قموره كالزمرد بالأشعاق
...........................وكبارها الطافح كما صافي الموق
زله على وضحاً بها خمسة أرناق
.............................هيلٍ ومسمارٍ بالأسباب مسحوق
مع زعفران والشمطري اليا نساق
...........................والعنبر الغالي على الطاق مطبوق
فليا أجتمع هذا! وهذا! بتيفاق
............................صبه كفيت العوق عن كل مخلوق
بفنجال صينيٍ زاهي عند الأرماق
..........................يغضي بكرسيه كما أغضاي غرنوق

أبن مصاول:توجد بعض الأخطاء في القصائد سأحاول تعديلها فيما بعد

ميزاني الشرقيه
29 - 12 - 07, 08:30 PM
رحمة الله عليه وعلى أموات المسلمين ,,, والله يعافيك يابن مصاول

وائل الميزاني
11 - 01 - 08, 01:57 AM
يعطيك الف عافية أخوي ابن مصاول وماقصرت يالغالي

أبن مصاول
02 - 03 - 08, 04:16 AM
أشكر كل من مر وعلق على هذا الموضوع ....تقبلوا شكري

والشاعر الكبير محمد عبدالله القاضي كان ولا يزال شعره من عيون الشعر النبطي في الجزيرة العربية

أبن مصاول
07 - 12 - 08, 06:44 PM
وهذه هي قصيدة القهوة كاملة وصحيحه من مصادري الخاص وهو كتاب قديم له اكثر من خمسين سنة ورثته عن ابي وبه عيون الشعر النبطي وقد كتب بطريقة صحيحة قبل أن يأتي النت ويلخبط الدنيا :



يقول الشاعر الكبير:


1-يامل قلب كل ما لتم الأشفاق=من عام الأول به دواكيك وخفوق
2-كنه مع الدلال يجلب للأسواق=وعامين عند معزل الوسط منسوق
3-يجاهد جنود في سواهيج الأطراق=ويكشف له أسرار كتمها بصندوق
4-لا عن لك تذكار الأحباب وشتاق=بالك وطاف بخاطرك طاري الشوق
5-دنيت لي من غالي البن مالاق=بالكف ناقيها عن العذف منسوق
6-أحمس ثلاث يا نديمي على ساق=ريحه على جمر الغضا يفضح السوق
7-وياك والنيه وبالك والأحراق=وصحى تكون بحمسة البن مطفوق
8-اليا صفَرّ لونه ثم بشت بالأعراق=صفرا كما الياقوت يطرب لها الموق
9-وعطت بريح فاخر فاضح فاق=ريحه كما العنبر بالأنفاس منشوق
10-دقه بنجر يسمعه كل مشتاق=راع الهوى يطرب اليا دق بخفوق
11-لقم بدله مولعٍ كنها ســـــــــــــاق=مــــــــــنصوبة مربوبة تقل غرنوق
12-خله تفوح وراعي الكيف يشتاق=اليا طفح له جوهرٍ صح له ذوق
13-أصفر قموره كالزمرد بالأشعاق=وكبارها الطافح كما صافي الموق
14-زله على وضحاً بها خمسة أرناق=هيلٍ ومسمارٍ بالأسباب مسحوق
15-مع زعفران والشمطري اليا نساق=والعنبر الغالي على الطاق مطبوق
16-فليا أجتمع هذا! وهذا! بتيفاق=صبه كفيت العوق عن كل مخلوق
17-بفنجال صينٍ زاهي عند الأرماق=يغضي بكرسيه كما أغضاي غرنوق
18-اليا أنطلق من ثعبته تقل شبراق =رنقٍ تصور للحمامه على الطوق
19-شكل على الفنجال لونه اليا راق=دم الغزال اليا أنمزع منه معلوق
20-خمر اليا منه تسلسل بالأرياق=وعليه من ما صافي الورد مذلوق
21-راعيه كنه شاربٍ ريق ترياق=كاس الطرب وسرور من ذاق له ذوق
22-يحتاج من خمر السكارى اليا فاق=طفلٍ تمز شفاه والعنق مفهوق
23-عبثٍ يعيل بحبة ما بعد ماق=وهو يزاهي باهر البدر بشعوق
24-بين أشفتيه اليا غنج حق براق=عجلٍ رفيقه بالطها يعطي أطبوق
25-سطرٍ كتب من حبر عينه بالأوراق=خديه صادينن ونونين من فوق
26-كن العرق بخدودها جمر الأرناق =ينثر على الوجنات باللون معشوق
27-اليا أبتسم شع وأشرق بالآفاق=نوره يفوق البدر سحرٍ ومنطوق
28-بالعنق كن المسك والخد براق=شخص بصدره كما الشاخ مدقوق
29-يمشي برفقٍ خايفٍ مدمج الساق=يفصم حجولٍ ضامها الثقل من فوق
30-اليا حصل لك ساعة وأنت مشتاق=أقطف زهر مالاق والعمر مفهوق
31-فليا حضر ما قلت عندي فالأرزاق=بيد كريمٍ كافلٍ كل مخلوق
32-صلاة ربي عد ما بارقٍ حاق=على النبي الهاشمي خير مخلوق

الحسام
07 - 12 - 08, 11:23 PM
اليا حصل لك ساعة وأنت مشتاق
أقطف زهر مـالاق والعمـر مفهـوق

رحم الله الشاعر الكبير القاضي .. هذه القصيدة من اشهر قصائد القاضي التى سرى بذكرها الركبان لما تميزت به من دقة الوصف وجميل العبارات ..

شكر الله لك ابن مصاول .

ابن مشدد
07 - 12 - 08, 11:46 PM
كلام عين العقل يابن مصاول

وماكل من وجد فالنت من قصائد أوقصص أو أي شي كان بأنه صحيح

لاكن فيها الصحيح وفيها الخط

ومن العايدين يابن مصاول

وتقبل مروري :61_f:

أبن مصاول
08 - 12 - 08, 01:44 PM
رحم الله الشاعر الكبير القاضي .. هذه القصيدة من اشهر قصائد القاضي التى سرى بذكرها الركبان لما تميزت به من دقة الوصف وجميل العبارات ..

شكر الله لك ابن مصاول .

الكاتب القدير الحسام أشكر لك مرورك وتعليقك الذي زاد الموضوع توهجاً وجمالاً وكما قلت بأن القاضي هو صناجة عنيزة في وقته وقد عرف عنه عذوبة المعاني ورقة الكلمات وجزالة القصائد حيث كانت أشعاره حضرية ممزوجة بروح الباديه..

أشكرك ولا هنت على المرور


أبن مصاول

أبن مصاول
08 - 12 - 08, 01:46 PM
كلام عين العقل يابن مصاول

وماكل من وجد فالنت من قصائد أوقصص أو أي شي كان بأنه صحيح

لاكن فيها الصحيح وفيها الخط

ومن العايدين يابن مصاول

وتقبل مروري :61_f:



حياك يالبناخي وأشكرك على التعليق الرائع الذي يدل على ذائقة رفيعه..

وكل عام وانت بخير يا وجه الخير


أبن مصاول